نورالدين علي بن أحمد السمهودي

196

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

فلم تنبعث ، فرجع فقعد ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : « ليقم بعضكم فيركب الناقة » فقام علي رضي الله عنه فلما وضع رجله في غرز الركاب وثبت به ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أرخ زمامها ، وابنوا على مدارها فإنها مأمورة » . وروى الطبراني - وفيه من لم يعرف - عن جابر أيضا قال : لما قدم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة قال لأصحابه : « انطلقوا بنا إلى أهل قباء نسلم عليهم ، فأتاهم فسلم عليهم ، فرحّبوا به ، ثم قال : يا أهل قباء ائتوني بأحجار من هذه الحرة ، فجمعت عنده أحجار كثيرة ، ومعه عنزة له « 1 » ، فخط قبلتهم ، فأخذ حجرا فوضعه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : يا أبا بكر ، خذ حجرا فضعه إلى حجري ، ثم قال : يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبي بكر ، ثم قال : يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر ، ثم التفت إلى الناس فقال : ليضع كل رجل حجره حيث أحب على ذلك الخط . متى بني مسجد قباء قلت : وهو يقتضي أن هذا البنيان لم يكن عند قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قباء ، بل بعد قدوم عثمان رضي الله عنه من الحبشة ؛ فإنه كان قد هاجر إلى أرض الحبشة فارا بدينه مع زوجته رقية بنت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وكان أول خارج إليها ، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة ؛ فيمكن أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أسسه عند قدومه ، ثم بناه بعد ذلك ، وإلا فلم يكن عثمان رضي الله عنه حاضرا ، كذا نبه عليه بعضهم ولهذا قال السهيلي : أول من وضع حجرا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ثم أبو بكر ، ثم عمر ، ولم يذكر عثمان ، ثم قال : وصلّى فيه نحو بيت المقدس قبل أن يأتي المدينة ، انتهى . وسيأتي عند ذكره في المساجد عن عمر رضي الله عنه أنه قال : والذي نفسي بيده لقد رأيت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وأبا بكر وأصحابه ننقل حجارته على بطوننا ، ويؤسسه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وجبريل يؤم به البيت ، ولم أر من نبه على تعيين زمان قدوم عثمان من الحبشة ، وسيأتي في بنائه صلّى اللّه عليه وسلّم لمسجد المدينة أخبار تقتضي حضور عثمان له ، وهو محتمل أيضا للبناء الأول والثاني ، وسبق في الفصل قبله عد عثمان فيمن قدم المدينة قبل مقدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليها ، وهو كذلك في كلام ابن إسحاق . وقال المحب الطبري : الظاهر أن قدوم عثمان من الحبشة كان قبل هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو بعدها وقبل وقعة بدر ؛ لأنه صح أنه كان في وقعة بدر متخلفا في المدينة على زوجته رقية بنت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وكانت مريضة ، ووقعة بدر في الثانية ، وكان قدوم أكثر مهاجري الحبشة في السابعة كما سيأتي ، والله أعلم .

--> ( 1 ) العنزة : أطول من العصا وأقصر من الرمح في أسفلها زجّ كزجّ الرمح يتوكأ عليها الشيخ الكبير .